علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – 2\3

in News AR

ما هي الآيات القرآنية التي تتحدث عن الحجاب؟ ما هو سياق نزولها؟ وكيف حرف الفقهاء معناها حتى أصبحت مرادفا لتغطية الشعر؟ هذه أسئلة، وأخرى، سنحاول الرد عليها في هذا الجزء الثاني

تطرقنا في الجزء الأول إلى معنى ورورد “الحجاب” في القرآن، وإلى التغليب الذي حصل، على مر القرون، لقراءة معينة لتلك الآيات، بدل تغليب النص القرآني نفسه.

في هذا الجزء الثاني، سنعود، بالتفصيل، لآيات الحجاب ولسياق ورودها؛ لكن، أيضا، لمختلف القراءات التي تعاملت فيها. قراءات أصبحت اليوم أكثر قدسية من الآيات نفسها.

وردت لفظة حجاب سبع مرات في القرآن[1]، بنفس المعنى؛ أي الفاصل أو الحاجز أو الستار بين شيئين أو فضاءين.

أما الآية التي استمد منها دعاة تحجيب المرأة دعواهم فهي: “يا أيها الذين آمنوا، لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يُؤذَن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه، ولكن إذا دُعيتم فادخلوا، فإذا طُعمتم فانتشروا، ولا مُستأنسين لحديث إن ذلك كان يُؤْذي النبي فيستحيي منكم، والله لا يستحيي من الحق. وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما” (الأحزاب، 33، آية 53).

واضح من الآية أن المقصود ليس من وراء غطاء رأس، وإنما من وراء ستار (Rideau).

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: في واحتنا مسلمون جدد

يعود سياق نزول هذه الآية الأولى التي تدعو إلى تخصيص معاملة خاصة لزوجات النبي وحرمة بيته، إلى شهر ماي من سنة 627، أي حوالي شهرين بعد معركة الخندق، وخمس سنوات بالتحديد قبل وفاة الرسول.

في هذا الإطار، يروي محمد الطالبي[2] الحدث الآتي: بينما كان محمد جالسا في بيته مع زوجته عائشة، إذ دخل عليهما عُيَيْنة بن حصن الفزاري، زعيم غطفان، الذي كان أسلم لتوه، فسأل النبي: “من هذه الحميراء؟” فأجابه النبي: “هذه عائشة أم المؤمنين” قال عُيَيْنة:” أَلاَ أَنزِل لك عن أجمل منها فتنكحها؟”. وجدير بالذكر هنا أن تبادل الزوجات كان معمولا به في الجاهلية.

كيف وصل رجال الشريعة من هذه الآية الداعية إلى عدم الإثارة، إلى وجوب تغطية الشعر أو الوجه، وكيف وصل أكثرهم تشددا إلى أن المرأة كلها عورة، وإلى أنها يجب أن تلزم بيتها؟

لقد امتعض محمد من هذا الاقتراح الفظ، خاصة وأن عائشة كانت متهمة وقتها بالخيانة الزوجية بعد حادثة العقد (الإفك)، علاوة على أن الكثيرين من معاصري محمد كانوا يراهنون على التزوج من زوجاته بعد وفاته.

في هذا السياق، نزلت هذه الآية الوحيدة التي وردت فيها كلمة حجاب، بمعنى الستار العازل بين الخارج والداخل، أو بين حجرتين أو غيرهما.

اقرأ أيضا: الزواج عند عرب “الجاهلية”: يمكن لرجلين أن يتبادلا زوجتيهما (الجزء الثالث)

لقد كانت عادات الجاهليين الجنسية شديدة الإباحية، حيث، إلى جانب امتهان الجنس الذي كان منتشرا، كان يحدث أن يدخل البعض على نساء البعض الآخر في البيوت التي لم تكن لها أبواب أو في الخيام، وكانت أخبار الخيانة والاتهام بالزنا منتشرة. ولأنه كان يصعب على النبي تغيير كل ذلك دفعة واحدة، فقد دعا الإسلام إلى البينة حتى لا يُصاب قوم بجهالة، واشترط لإثبات الزنا أربعة شهود عاينوا الحادث، كما دعا إلى احترام حرمة البيوت[3].

 الستار الفاصل بين فضاءين هو المعنى الذي كان الجاهليون يقصدونه بمعنى الحجاب كما جاء في لسان العرب في قول الأعشى: بحجاب من بيننا مسدوف. (أسدف الحجاب: أرخى الستار). ولم يكن الحجاب بهذا المعنى يعني عزل نساء الرسول عن محيطهن، إذ ظللن يخرجن إلى الفضاء العام سواء في حياة الرسول أو بعد وفاته، وإنما فقط الفصل بين الحياة العامة والحياة الخاصة

أما أسماء لمرابط [4]، فترجع سياق نزول هذه الآية إلى ما حدث يوم تزوج النبي زينب بنت جحش، حيث دعا عددا من صحابته إلى وليمة في ببيته. وبينما انصرف أغلب المدعوين بعد الأكل، مكث ثلاثة منهم إلى جانب النبي وزوجته يتحدثون، وهو ما ضايق النبي وزوجته، فنزلت بعد ذلك هذه الآية التي تدعو إلى احترام حميمية النبي.

على الرغم من الاختلاف النسبي بين سببي النزول، فإن معنى الحجاب في الآية يبقى نفسه؛ أي الفاصل بين الفضاءين العام والخاص.

اقرأ أيضا: الزواج عند عرب “الجاهلية”: المرأة أيضا تُعدّد… (الجزء الثاني)

بهذا الخصوص، تؤكد أسماء لمرابط ما ذهب إليه محمد الطالبي من أن الأمر يتعلق بزوجات النبي لا بغيرهن، وأن الحجاب يعني الستار، وأنه لا يعني بحال من الأحوال لباسا ولا غطاء رأس.

الستار الفاصل بين فضاءين هو المعنى الذي كان الجاهليون يقصدونه بمعنى الحجاب كما جاء في لسان العرب في قول الأعشى: بحجاب من بيننا مسدوف. (أسدف الحجاب: أرخى الستار). ولم يكن الحجاب بهذا المعنى يعني عزل نساء الرسول عن محيطهن، إذ ظللن يخرجن إلى الفضاء العام سواء في حياة الرسول أو بعد وفاته، وإنما فقط الفصل بين الحياة العامة والحياة الخاصة.

دعا القرآن الرجال أولا إلى الغض من أبصارهم وحفظ فروجهم، قبل أن يدعو النساء إلى القيام بالمثل والضرب بخمورهن على جيوبهن وعدم إبراز ما خفي من زينتهن

أما الحديث عن لباس المرأة، فيأتي في سياق آخر، عندما دعت الآية التالية نساء النبي ونساء المؤمنين إلى عدم التبرج حتى يتميزن عن النساء اللواتي كن يبعن الجنس بمقابل، وحتى يتجنبن إلحاق التهم/ الأذى بهن: “يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفورا رحيما” (الأحزاب 33، الآية 59).

اقرأ لنفس الكاتب: اقرأ بنفس الكاتب: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

ينبغي أن نسجل أولا أن الآية لم تستعمل كلمة غطَّى أو ستر الرأس أو غيره، كما فهمه من يدَّعون الاعتدال، ولا هي قالت بتغطية جسد المرأة من الرأس حتى أخمص القدمين كما فهمه المتشددون في التضييق على حريات النساء، وإنما اقتصرت على كلمة “أدنى من”، أي جمع بين طرفي الثوب أو قرَّبهما من بعضهما.

كما أن الآية لم تقترح استعمال ثوب إضافي، وإنما دعت إلى استعمال طرفيْ الجلباب، أي الثوب الفضفاض الذي يوضع على الكتفين.

لا يجد محمد الطالبي[5]، مبررا للقراءة المتشددة والشائعة لهذه الآية إلا كراهية الرجال المحافظين للنساء، كراهية موروثة عن الجاهلية، كانت تصل حد وأد البنات، إذ لم يكن للنساء من دور عدا إطفاء شهوات الرجال خلف الأبواب المغلقة، أو من خلال امتهان الجنس.

غالبا ما يعتمد دعاة الحجاب على سورة النور، والواقع أن آيات العفة في هذه السورة تتوجه للرجال والنساء على السواء: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن…” (سورة النور 24؛ الآيتان 30 ـ 31).

هكذا، دعا القرآن الرجال أولا إلى الغض من أبصارهم وحفظ فروجهم، قبل أن يدعو النساء إلى القيام بالمثل والضرب بخمورهن على جيوبهن وعدم إبراز ما خفي من زينتهن.

الأساس عندنا هنا هو تحديد معنى الخمار والجيب والمقصود بالزينة. الخمار من خمر أي غطى، والخمار الغطاء أو اللفاع أو منديل الرقبة (الشال). أما الجيب فالمقصود به أعلى صدر المرأة؛ أي الفتحة التي بين نهديها (ثدييها).

إذا علمنا أن الإماء كنَّ يتجولن عاريات الصدور، وأن الرجال قبل اشتراء أمة كانوا يلمسون نهديْها لتبين مدى صلابتهما وإثارتهما، فهمنا أن نهديْ المرأة كانتا منذ القديم محل إثارة الشهوة لدى الرجل وتبين لنا سبب الدعوة إلى تغطيتهما إبعادا لإثارة الرجال.

واضح أن هذه الآية محكومة بالهاجس الجنسي، وهو ما لا يحتاج إلى اجتهاد عقلي ولا استنباط. لذلك، لا تكتفي الآية بالدعوة إلى غض البصر، بل تحث المرأة على ألا تتزين إلا لزوجها وألا تبرز ما خفي من مفاتنها إلا لمن لا يشتهونها جنسيا بفعل رابطة القرابة.

فكيف وصل رجال الشريعة من هذه الآية الداعية إلى عدم الإثارة، إلى وجوب تغطية الشعر أو الوجه، وكيف وصل أكثرهم تشددا إلى أن المرأة كلها عورة، وإلى أنها يجب أن تلزم بيتها؟ وكيف حلت كلمة حجاب بالمعنى الذي أعطاه إياها المتشددون محل خمار التي تعني تغطية صدر المرأة؟ بل كيف انتقل الحنابلة من الخمار إلى  الحجاب ثم إلى النقاب أو البرقع الذي يعني تحريم جسد المرأة جملة فيلفه من الشعر حتى أخمص القدمين؟

http://marayana.com/